مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

269

تفسير مقتنيات الدرر

العرب بأحد قطَّ فنزلت الآية عن الشعبيّ ومحمّد بن إسحاق . وقيل : نزلت الآية في أهل بئر معونة وهم سبعون رجلا من قرّاء أصحاب الرسول وأميرهم المنذر بن عمرو بعثهم رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله إلى بئر معونة في صفر سنة أربع من الهجرة على رأس أربعة أشهر من وقعة أحد ليعلَّموا الناس القرآن فقتلهم جميعا عامر بن الطفيل فحزن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله من ذلك وجدا شديدا ، فنزلت الآية . قال الطبرسيّ : والأصحّ أنّها نزلت في أحد ويقتضيه سياق الكلام وإنّما قال : « لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ » مع أنّه صلَّى اللَّه عليه وآله يدعوهم إلى اللَّه ، المراد : أنّ أمر عقابهم أو الدعاء عليهم ولعنهم ليس لك لأنّه يقع إنابة بعضهم . قال الرازيّ : لو قيل : إنّ ظاهر هذه الآية تدل على أنّ النبيّ فعل فعلا وكانت هذه الآية كالمنع منه والأمر الممنوع منه إن كان حسنا فلم منعه اللَّه وإن كان قبيحا فكيف يليق بالنبيّ ؟ فالجواب أنّ المنع من الفعل لا يدلّ على أنّ الممنوع منه كان مشتغلا به ، فإنّه تعالى قال : « لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ » « 1 » وأنّه ما أشرك قطَّ وقوله : « يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّه َ » « 2 » لا يدلّ على أنّه ما كان يتّقي اللَّه وقوله : « وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ » « 3 » وهو ما أطاعهم بل الفائدة من هذا المنع ذهاب غمّه الشديد والغضب في مثلة حمزة والمسلمين غيرة على دين اللَّه وتقوية لتصبّره صلَّى اللَّه عليه وآله وإكمالا لدرجة العبوديّة . قوله : * ( [ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ] ) * عطف على قوله : « أَوْ يَكْبِتَهُمْ » أي إن اللَّه مالك أمرهم فإمّا أن يهلكهم أو يخزيهم أو يقبل توبتهم إن أسلموا * ( [ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ ] ) * إن أصرّوا * ( [ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ ] ) * بكفرهم وظلمهم . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 129 ] وَلِلَّه ِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّه ُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 129 ) . لمّا قال سبحانه « لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ » في الآية السابقة عقّب في هذه الآية بأنّ الأمر له . وذكر لفظ « ما » لأنّ « ما » أعمّ ممّن يعقل وما لا يعقل ، له ملكا وخلقا * ( [ يَغْفِرُ ) *

--> ( 1 ) الزمر : 65 . ( 2 ) الأحزاب : 1 . ( 3 ) الأحزاب : 1 .